الخميس 14 ديسمبر 2017 - 09:03 مساءا

وفــاة الشيخ عويضة عالم القراءات الأول بصعيد مصر

نوفمبر 19, 2013 8:42 م

في يوم شديد الحرارة فى أقصى الصعيد فى مديرية قنا وفى جنوب مدينة قنا وتحديداً بقرية الأشراف الغربية بنجع الكرواين ولد الطفل محمد بن إبراهيم عويضة لأب يعمل بمهنة الزراعة وكانت مهنة أهل هذه البلادولد هذا الطفل الصغير وعاش طفولته كما يعيش أطفال بلدته يلهو ما بين الزرع والنهر .. وكان والده يعمل فى أرضه بالزراعة وكانت ملكيته صغيرة.ولما بلغ الطفل محمد سن السادسة من عمره ألحقه والده بالمدرسة الأولية ووصل حتى الصف الرابع ومن خلال وجوده بالمدرسة حفظ قدراً كبيراً من القرآن وحتى سوره الكهف لأنه كان يدرس بها القرآن إلا انه كما يقول الشيخ كان أثقل شيء عليه بالمدرسة هو القرآن الكريم ” لأنه كان يحفظه حفظاً جبرياً” هذا قول فضيلة الشيخ” وكانت المدرسة الأولية فى ذلك الوقت تنتهى حتى الصف الرابع ثم يلتحق بعد ذلك بالمدرسه التحضيريه … ولكن والده لم يلحقه بها واثر ان يجعله يعمل معه بالزراعه وخاصه وهو اكبر اخوته ففرح الطفل محمد فرحا شديدا من المدرسه وخاصه القران ومراجعته وخوفه من العقاب والحساب فى المدرسة .واستقر به المقام خارج المدرسة يذهب مع والده إلى حيث يزرع ويعود معه حيث يعود فجسده صغير لا يقوى على فلاحة الأرض ولكن يكتفى منه والده بحمل ما يقوى عليه وحراسة ما يوكل إليه وإحضار ما يريده منه والده من طلبات وهو فى هذا راض بهذه العيشة ليس له طموحات أكثر من أن يكون مزارعا مثل والده… ولكن الغيب لا يعلمه الا الله
                                      شبابه

واستمرعلى هذا الحال ثلاثة اعوام فى مساعدة والده فى الزراعة ولما بلغ الثالثة عشر من عمره وهو سن الإدراك وبداية مرحلة جديدة من العمر تتشكل فيها شخصية الشاب .. وإذا به يجد فى نفسه رغبة شديدة فى تصفح كتاب الله سبحانه وتعالى ومراجعة ما حفظه فى المدرسة … فكان يأخذ المصحف وينزوى بعيداً ليقرأ فيه فلاحظه أبوه وسمعه فقال له والده يا محمد آراك تقرأ فى كتاب الله كثيراً فقال : نعم أريد أن أراجع ما حفظته فى المدرسة ثم أكمل حفظ بقية كتاب الله فقال والده : إن كان كذلك فلا بد أن تذهب إلى الكتاب لتقرأه على يد شيخ فان قراءتك فيها أخطاء كثير فأنت تلحن فى كتاب الله “وكان والده يحفظ بعضاً من القرآن الكريم فقد كان فى صغره يذهب إلى كتاب الشيخ محمد عيد بالأشراف الشرقية فذهب به إلى كتاب الشيخ طاهر الشاورى بقرية العليقات المجاورة وظل ثلاث سنوات يتردد على كتاب الشيخ طاهر الشاورى حتى أتم حفظ كتاب الله وكان قد بلغ من العمر ستة عشر عاماً … ولم يقنع بذلك بل توجه إلى قرية أبنود المجاورة عند الشيخ شمروخ ليتعلم رواية حفص تجويداً وترتيلا فأتقنها فى عام ( وخلال هذه الفترة من تردده على الشيخ طاهر الشاورى بقرية العليقات أو الشيخ شمروخ بأبنود لم تكن له وسيلة مواصلات بل كان يمشى هذه المسافات سيرا على قدميه) وكل ذلك لرغبة شديدة فى نفسه لتعلم كتاب الله سبحانه وتعالى وعلومه رغم أنه لم يطمح يوماً ان يكون معلماً للقرآن أو أن يأتيه طلاب العلم من شتى أرجاء المحافظة

                                  الأزهر لا يقبله طالبا ً

وفى عام 1938 تم افتتاح المعهد الأزهرى بقنا وكان الشيخ محمد ابرإهيم عويضة قد بلغ الثامنة عشر من عمره وقد حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى حفظاً جيداً وأتقن رواية حفص فرأى والده يرحمه الله أن يذهب إلى قنا ليقدم أوراق إبنه محمد فى هذا المعهد الجديد لأنه يرى إبنه أحق بذلك وإذا بهم يرفضون قبول إبنه محمد لأن عمره قد تجاوز سن السادسة عشر من عمره وهو أعلى سن يتم قبوله بالأزهر …فلما رأى أن الفرصة قد فاتت إبنه محمد فحرص أن لاتفوت أبنه أحمد فاذا به يرفض أيضا لأنه صغير السن لأن اقل سن مطلوب حتى إثنا عشر عاماً وإبنه أحمد أصغر من ذلك بثلاثة أشهر فحزن والدهم (وقال لا الكبير قبلتوه ولا الصغير قبلتوه)… ولكن لم ييأس من ذلك فبذل هو وبعض أولياء الأمور الوساطات فى ذلك حتى تم قبول بعض صغار السن وكان أحمد ممن تم قبولهم فى ذلك فارتاح والدهم كثيرا لذلك لأن أحمد إبنه قد دخل الأزهر ولعله يتخرج منه إن شاء الله فى يوم من الأيام … وكان قد اتم دراسته فى المدرسة الأولية مثل أخيه محمد وحفظ حتى سورة الكهف ثم أتم القرآن على يد أخيه محمد وكان أول تلميذ لفضيلة الشيخ محمد هو أخوه أحمد وظل الإبن أحمد فى الأزهر الشريف حتى وفقه الله فى دخول كلية الشريعه فلما تخرج منها عمل بالتربية والتعليم ثم بالأزهر الشريف وتدرج فضيلة الشيخ أحمد إبراهيم عويضة فى المناصب الأزهرية حتى صار وكيل أول المنطقة الأزهريه بقنا ورئيس لجنة الإفتاء بالمنطقة وذلك قبل أن يحال إلى المعاش وأما الشيخ محمد كان قد بلغ مبلغ الرجال وصار رجلاً يعتمد عليه فاتجهإلى زراعة الأرض مع أبيه ولكن نفسه كانت تواقة لتعليم القراءات فذهب إلى مدينة قنا بحثاً عمن يعلمه القراءات فأدرك بها الشيخأحمد كويس وكان قد كبر سنه فظل يترد عليه حتى أخذ عنه رواية ورش القفطى ولم يكملها نظراً لكبر سن الشيخ
وفى عام1947 وكان الشيخ قد بلغ السابعة والعشرين من عمره فترك مدينة قنا ذاهباً إلى مدينة السويس وكانت آنذاك مهجراً لأهل الصعيد وخاصة أبناء قنا فقد كانت بها فرص العمل كثيرة ومكث الشيخ أياماً فى السويس باحثاً عن عمل حتى التحق بالعمل خفيرا بثكنات الإنجليز ولما علم أهل السويس أنه يحفظ القرآن الكريم .وكانت هذه بداية رسالته فى تعليم كتاب الله الكريم.. وأثناء وجوده بالسويس تعرف على الشيخ سيد أحمد قادوس رحمه الله وكان أستاذاً فى علم القراءات فجلس بين يديه يتعلم القراءات وظل يتردد عليه يومياً حتى أتقن القراءات فى ثلاثة أشهر وتسعة أيام فكان مثار عجب الشيخ ودهشته فقال له محمد لقد ظللت ثلاث سنواتأتعلم القراءات وأنت تاخذها فى ثلاثة أشهر …وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.واثناء وجود الشيخ بالسويس كان يقرا متون الكتب من الفقه والنحو الصرف ويحفظ بعضها وخاصة متون علم القراءات مثل الشاطبية وكذلك ألفية ابن مالك فى النحو وعمل أيضاً بعض الوقت خطيباً بأحد المساجد التى كان يخطب بها الشيخ سيد أحمد قادوس فى حالة غيابة عن مدينة السويس.وعرف الشيخ محمدإبراهيم عويضة بالسويس كأحد معلمى القرآن حفاظه وذلك طوال فترة مكثه بالسويس من عام1947 حتى عام1961.

                                  عودة الشيخ إلى قنا

وفى عام1961 عاد الشيخ محمد الى قنا بناء على رغبة أبيه الذى كان يلح عليه فى العودة الى قنا ويراسله كثيراً ويستحثه فى العوده والمكث معهم فعاد الشيخ إلى قنا إرضاء لأبيه تاركاً خلفه بالسويس أحزان تلاميذه ومحبيه.
وفى اليوم التالى لعودته إلى قنا تم إلحاقه بالعمل بصنع غزل قنا وكان الشيخ يجلس بعد صلاة العصر يوميا فى المسجد القريب من داره يعلم القران لمن يرغب فى حفظه من صغار وكبار وكان الله سبحانه وتعالى اختاره ليواصل العطاء… وفى عام 1972 تقدم الشيخ للإختبار بمديرية الأوقاف بقنا للعمل كشيخ مقرأه وتمت إجازته للعمل كشيخ مقرأه اعتباراً من هذا التاريخ وكان ترتيبه الأول علىأربع محافظات(سوهاج وقنا وأسون والبحر الأحمر.

                        الشيخ يعود إلى الأزهر أستاذا ً

وفى عام76/1977 تم افتتاح معهد القراءات بقنا وكان بالمعهد نقص فى مدرسى علم القراءات فتقدم الشيخ محمد للعمل بالمعهد مدرساً لعلم القراءات واختير الشيخ مدرساً لعلم القراءات بمعهد القراءات بقنا .وكانت الدراسة وما زالت بالمعهد تبدأ من بعدالساعة الثانية ظهراً … وظل الشيخ مدرساً بالمعهد حتى عام 1999 ثم اعتذر لكبر سنه ومن تصاريف القدر العجيب ان الشيخ محمد إبراهيم عويضة لم يقبل عام1938 تلميذاً بالأزهر لتجاوزه السن المطلوبة فقُبل عام 1977 أستاذاً لعلم القراءات وهوالذى لم يكن يوماً من طلاب الأزهر .وكأن هذا اعتذار لفضيلة الشيخ .وتطييباً لقلبه وكأن لسان الحال يقول أنت لا يجب أن تجلس مجلس التلميذ بالأزهر بل تدخله أستاذاً لأفضل العلوم وأشرفها وهوكتاب الله العزيز وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليرفع بهذا الدين أقواماً ويخفض به آخرين.

             الشيخ يتفرغ لتعليم كتاب الله تعالى بعد سن المعاش

وفى 14/6/1980 بلغ الشيخ محمد سن المعاش فقد كان يعمل بوظيفة عامل بمصنع غزل قنا.
وبعد هذا التاريخ تفرغ الشيخ تفرغاً كاملاً لكتاب الله العزيز منذ أن يستيقظ فى الصباح وحتى صلاة الظهر يستقبل تلاميذه فى بيته المتواضع بحى الشئون بقنا يعلمهم أحكام التلاوة والقراءات المتواترة… ثم يذهب إلى المعهد فى الساعة الثانية ظهراً يمارس عمله معلماً للقراءات حتى بعد آذان المغرب ثم يعود إلى المسجد يظل يستقبل تلاميذه يعلمهم ويدرسهم كتاب الله سبحانه وتعالى إلى ما بعد صلاة العشاء بساعتين أو ثلاث… 
ولقد تعلم علي يد فضيلة الشيخ محمد ” رحمه الله ورضي عنه ” ممن حفظوا القرآن الكريم كاملا علي راوية حفص أعداد لا حصر لها حتي أن الشيخ لا يستطيع حصرهم وأما الذين أخذوا عنه القراءات فهم أيضا كثير وكل منهم في مكانه يكمل مسيرةفضيله الشيخ ( بل مسيرة الأولين .. وكلهم علي النهج سائرين )  و في عام 1976 تم افتتاح معهد القراءات بقنا و أختير فيه مدرساً لعلم القراءات و ظل فيه حتى عام 1999 ثم اعتذر لكبر سنه و من تصاريف القدر أن الشيخ الذي لم يقبل في الأزهر 1938 تلميذاً عاد إليه أستاذاً عام 1977 وفي عام 1980 بلغ الشيخ سن المعاش من مصنع غزل قنا فتفرغ تفرغاً كاملاً لتحفيظ كتاب الله عز وجل في بيته المتواضع بحى الشئون بقنا

وقد استمر في رسالته في تحفيظ  كتاب الله وهو لا يتقاضى علي ذلك أجراً .وفي صبيحة الأربعاء الموافق 10صفر عام 1433هجرية والموافق 4من شهر يناير من عام 2012م لقي الشيخ ربه عن عمر يناهز 92 عاما قضاها في تعلم القرآن وتعليمه غفر الله لشيخنا الجليل وأسكنه فسيح جناته بما قدمه من علم للإسلام و المسلمين.

منقول اخبار قنا

274M1


info heading

info content