الاثنين 11 ديسمبر 2017 - 05:18 مساءا

قراءة في ديوان الشاعرة رحيمة بلقاس (عناق سحر الحياة )

أغسطس 17, 2013 4:23 م

بسم الله الرحمن الرحيم بقلم محمد الخريف
قراءة في ديوان الشاعرة رحيمة بلقاس (عناق سحر الحياة )
بين التأ ويل والتأويل تتضارب الآراء وتختلف الرؤى عند باب الحقيقة التي ينشدها صاحب الإبداع ،وأعتقد أن كثرة التأويلات مؤشر على نجاح المبدع في الوصول إلى القراء على اختلاف مشاربهم ،ومؤشر أيضا على شيوع الحس الثقافي أو بالأحرى الجنس النقدي الذي يقل نشاطه اليوم أمام الإصدارات الوفيرة التي تشهدها ساحتنا الإبداعية والتي طالما عيرت بالنضوب والندرة في سنوات خلت من القرن الماضي . وعندي أن التأويل حق من حقوق القارئ سواء كان ناقدا أو متتبعا أو معجبا مادام المبدع يشهر أعماله بين الناس ، إلا أن مصداقية هذا الحق تبقى جدلا بينه وبين المبدع ؛من هنا وأنا أتسلم ديوان الشاعرة رحيمة بلقاس (عناق سحر الحياة ) بدت لي ممارسة هذا الحق متتبعا ومعجبا أحيانا بهذا البكر المطل على الساحة الثقافية المغربية في ألفيتنا الثالثة ، لعل حمولتها لإبداعية تقدم جديدا للشعر العربي الحديث عموما والمغربي خصوصا …. يشتمل الديوان على 40 قصيدة وواحدة إهدائية لصديقتها الشاعرة إحسان السباعي تختمها بمشاعر الأمل والطموح والصمود وهما معا يشقان طريق الكتابة نحو غرس أزهار الحروف وإقامة مواسم العطور تقول الشاعرة رحيمة ص6:إليك ..بك ..غاليتي إحسان / مشيت ../مشينا ../وسنمشي بصمود / .كان من الأفضل أن يولد هذا الديوان توأما يقتسمان الأربعين قصيدة بينهما لاعتبارات شتى منها وفرة عدد من التيمات والقضايا الأدبية والفنية واللغوية ،وكل اولئك يرغم القارئ على التأني والتركيز والاستمتاع عند القراءة والبحث والتقييم ولصاحبة الشأن رأيها المحترم .اختارت الشاعرة رحيمة بلقاس لديوانها عنوانا جميلا مركبا ساحرا فوق لوحة رومانسية متفائلة بالضوء والانطلاق فوق أجنحة فراشة لا تبالي بوهج النور ولاحمرته ؛إذن ،العنوان واللوحة دعوتان إلى الحياة والتفاؤل والجمال ،فمن من البشر لا يعشق العناق وحب الحياة وسحرها ؟ لكن سرعان ما ينقلب هذا الإحساس الاشتهائي للحياة بمفهومها المادي المجرد إلى المفهوم الروحي عندما يدير القارئ ظهر الغلاف ليجد عليه إعلانا صريحا من الشاعرة رحيمة إلى قرائها تقول فيه :أعانق سحر الحياة هكذا ” ثم تعرض أبياتا من قصيدة تحمل نفس العنوان ص59 تتغنى كما تغنى شعراء العشق الإلهي الذين نشدوا الصفاء والسباحة في الملكوت الأعلى ،لهذا وظفت عددا من لغتهم الصوفية مثل نور الهدى ،الهيام والرقص ببسمة الفجر ،دنيا الطهر ،ومن هذه القصيدة الأبيات الآتية التي تسير في هذا السياق ص60 :أهمس للسماء سائلا /إلهامي حلمك لأسعدا /خيوط أشعة الشمس /ضياء بين الجوانح منتدى /ترنيمات الإيمان عذوبة /ظلاله جعلتها مرقدا/.وأعود إلى أول قصيدة في الديوان ص7 (رحلة الاستثناء )لنشارك الشاعرة هذا الإعلان السامي المضمخ بالأجواء الروحانية تقول في ص8 من القصيدة نفسها :أحلق عاليا مترفعة / علي بين النجوم /أسمو بروحي /الفرحة تحلق بي /مسرعة لتدرك النبل / والرقي في الإصرار / .وتعرض خلال هذه الرحلة الاستثنائية بعض القيم النبيلة كالوفاء والتسامح والكبرياء والتشبث بالأمل تقول في أحد مقاطع القصيدة :خيوط البهجة تتماوج في الفضاء /ركبت لها صهوة التحدي في كبرياء / لأروي عطشي من ثدي الضياء / .في القصيدة الموالية ص10 (شمعة أمل )تنزلك الشاعرة من تلك الأجواء والفضاء المبهج إلى دروبها المسدودة وهي تقلب صفحاتها لعلها تجد جوابا لغيابه الذي ينزفها ؛قصيدة رائعة في وصف الإحساس بالحزن والتشظي تشدك من المقطع الأول إلى آخر النص وأنت تقف على صور شعرية فنية ربما لم يسبق خيال شاعر إلى إبداعها مثلا تقول الشاعرة رحيمة ص10 :أسافر من بعضي / كريشة في مهب رياحي /أنام على شرفة زماني / وفي ص12 تقول :أنام كرماد راكد في احتراقي /وفي صورة أخرى من ص نفسها : أتسلق ضوء عينيه / لفردوس المحبة أركن /.هذه القصيدة (شمعة أمل )أعتبرها الضوء الأخضر أمام القارئ لممارسة حق التأويل غير الذي طرحته الشاعرة على ظهر الغلاف ،وحتما سيصادف خلال عبوره قصائد الديوان قضايا أدبية وأغراضا شعرية كالوصف والعتاب والغزل والهجاء وعشق الوطن وقصيدة النثر المقفاة ،بالإضافة إلى أحاسيس وجدانية تتغير من حال إلى آخر حسب المواضيع المطروقة بلغة شاعرة مختارة تهيمن عليها ظلال المدرسة الرومانسية من حيث الجانب التفاؤلي الأكثر توزيعا ووضوحا في قصائد عناق سحر الحياة ،لهذا أرى أن ديوان الشاعرة رحيمة بلقاس حديقة وجنة :حديقة لأن الشاعرة بحسها الأنثوي أحاطت كل قصيدة بتاريخ معين مرتب ومتسلسل ،وإن كان هذا التأريخ لا يعني الولادة الآنية للقصيدة بالتدقيق دائما ،وجنة لأن الشاعرة أخفت وراء كل قصيدة إحساسا معينا كالكبرياء في قصيدة (حب لا يقبل الانحناء )والاشتياق في قصيدة (خذني )والهجر في قصيدة (اختلاف )والحب الحقيقي في القصيدة نفسها ،والحزن والألم في قصيدة (ألم الفراق )والفرح في قصيدة (هاتف رن )والرضى بالقدر في قصيدة (استسلام للأقدار )والابتهال لرب العالمين في قصيدة (سبحانك ربي )والغيرة على أرض الوطن في قصيدة (أرضنا ليست سبخة ).إن المتتبع مشروع الشاعرة يمكن أن يلمس حضور الإبداع الأنثوي المميز عن الإبداع الذكوري مما يعيد إلى الأذهان الجدال الذي أثير حول هذه القضية بين نقاد القرن الماضي والذي قال أغلبهم عنه :لا ذكورة ولا أنوثة في الشعر ” هذا طرح من طروحات متنوعة تتخلل ديوان الشاعرة رحيمة بلقاس جديرة بالدراسة والتحليل والمناقشة ،أتمنى أن يلتفت إليها الكتاب والنقاد ،وسأكتفي بتعيين بعض الطروحات أو القضايا المنتشرة في الديوان على أمل أن تجذب إليها أقلام الباحثين في أدبنا العربي بالمغرب .طرح آخر ذو أهمية خاصة يتمثل في مؤهلات الشاعرة بلقاس لصناعة القصيدة العربية بنوعيها العمودي والنثري إذ تمتلك اللغة و المخيال لو أحكمت أوزان الخليل وخصوصية قصيدة النثر .ومن أبدع الطروحات في الديوان أيضا الصور الشعرية الفنية المبثوثة كالنجوم المتلألئة في الليلة القمراء تدل على التخييل الجيد لدى الشاعرة ،وهي صادقة حين قالت عن نفسها ص7:عقلي متهيج / مخيلتي في ارتقاء / رؤية للمدى بجنون الإبداع /.وإذا كانت الشاعرة ترى المدى بجنون الإبداع فأنا أرى صدق الإبداع باديا على كل الأحاسيس و التيمات المتجلية في كل قصائد الديوان حتى في هجائها ليعسوب قومه ص97،ربما يعود هذا الصدق إلى تقارب الأزمنة بين القصائد المذيلة بتواريخ ميلادها والذي أعطى غزارة إبداعية متنوعة في ظرف سنة ،بالإضافة إلى أنه أكسب الديوان عنصر السرد الذي نجحت الشاعرة في توظيفه .وقبل الختم ،وفي طريق الجودة التي أصبحت مطلبا لا مندوحة عنها لابد من احترام ثوابت لغتنا العربية كالنحو والصرف والإملاء والرسم وأحيانا علامات الترقيم فغالبا ما يغيب عن المبدع أثناء مخاضه وعملية الخلق مراجعة نصوصه من حيث الثوابت المعروفة لكن ماخاب من استشار ،فقد كان الشعراء يستشيرون علماء النحو والصرف دون الشعور بالانتقاص من قدرهم ،أعني بملاحظتي ما وقعت فيه الشاعرة بلقاس حيث انفلتت كثير من الأخطاء في ثوابت لغتنا مثلا في الصفحات :5و6 و13 و25 و32 و44 و48 و65 و70 و97 إلخ ….والملاحظة الثانية شكل وضبط النصوص الذي جاء في الأغلب خطأ ، لست أدري هل ذلك من المسؤول عن الطباعة أم من قلم الشاعرة ؟بينما المتعارف عليه أن طباعة النصوص دون شكلها ماعدا إذا أراد الشاعر أن يسهل القراءة على قرائه .وثالث الملاحظات توظيف المهجور من اللغة العربية إذ ليس كل قارئ متمكنا من المعجم اللغوي ،وكان من الأفيد أن تذيل النصوص بالإشارة إلى معاني المفردات الغريبة ،ومع ذلك أعتبر التجربة تحديا وتذكيرا بلغة الأوائل ومحط تساؤل :هل يمكن لجيل هذه الألفية الاشتغال عليها أمام هيمنة اللغة العامية ؟وتبقى ملاحظة أخيرة :أية قصيدة تجد الشاعرة رحيمة بلقاس فيها معايير النجاح والاطمئنان لها ؟ إذا كانت قصيدة النثر المتحررة من الوزن والقافية مثل قصيدتك “خذني “ص19 فإني لمست فيها النموذج المتعارف عليه عند شعراء هذا الجنس ،وإذا كانت الشاعرة ترتاح إلى القصيدة العمودية فعليها أن تلتزم بتطبيق قواعد القصيدة التقليدية بالرجوع إلى بحور الخليل حتى لا تفقد سحر ألقها وموسيقاها العروضية ، ولا يزال في ديوان “عناق سحر الحياة “ما يقال ويكتب ،إذ هو غني بالقضايا الأدبية التي تفتح شهية المشتغلين في حقول الأدب والإبداع …..محمد الخريف ـ سلا ـ 2013

 

995491_404001416371849_1807223107_n


info heading

info content