الاثنين 11 ديسمبر 2017 - 09:34 صباحا

قراءة نقدية بقلم الكاتب والاديب الناقد أحمد دحبور في ديوان ( احلام باكية للشاعرة المغربية : رحيمة بلقاس أحلام باكية

يونيو 8, 2013 9:20 ص

حين أجمعت أمري للكتابة في هذه الدراسة النقدية ، ساورني غير قليل من مشاعر القلق ، وهو شيء تعهدته على نفسي كلما هممت بالكتابة عن إنسان ، وتالله إن الأستاذة الفاضلة الشاعرة والانسانة : رحيمة بلقاس لها مكانة سامية في نفسي ، لم تزد مع مرور الأيام إلا رسوخا وصدقا ، محسوبا لكريم أخلاقها وكمال إنسانيتها ، وفيض ودها ، ما يقضي بكمال روحها ونبالة شيمها ، وغزارة معرفتها ، وصديقتي الذي شاء القدر أن التقيت بها وبالشاعرة الصديقة توأم روحها ( احسان السباعي ) وبحضور بنتي ( بيسان ) الصيف الماضي ، فهي شاعرة موهوبة ومن أهل القوة والوداعة ،وهي لا ترى من الأخلاق إلا اقتراع الذرى العالية ،فاستطار قلبي فرحا لتلك الحفاوة التي كلّلتني بها هي واحسان ،والتي غمرتني بكرمها وانسانيتها الفائضتين وإن دلت على شيء فهي صورة جمعية لشعبنا المغربي الأصيل .
بإمكان القارىء حينما يقرأ مجموعة ( أحلام باكية ) للشاعرة رحيمة بلقاس أن يتكىء على أسئلة محورية للإحاطة بما تقدمه الشاعرة في باكورة عملها الشعري الثاني وملامسة بعض ما تريد أن تضعه بين أيادينا.
ــ ما المادة التي تقدمها لنا المجموعة الشعرية ؟
ــ وما اللون الشعري الذي يطغى عليها ؟
ــ وهل نجحت الشاعرة بتقديم مادة متميزة للقارىء المهتم والمبتدىء للنص الأدبي ؟
ولمحاولة الإجابة عن تلك الأسئلة ، يمكن القول أن مجموعة ( أحلام باكية ) تحشد سلسة زمنية على مساحة 40 قصيدة من القصائد الوجدانية التي فاضت بها مسيرة الشاعرة الخيالية متعاركة مع جانبها الروحي واثبات الذات على استفزاز الحس العاطفي لديها بشكل طردي مشبع بالوجع الذاتي والوطني والقومي والإنساني ، وبمجرد بدء رحلة القارىء مع المنتوج الشعري ، إنه يلامس الأرضية الثابته التي تقف عليها الشاعرة في تعاملها مع حيثيات الفكرة المطروحة ، وهي تسرد مكنوناتها الشعرية المتأرجحة بين مشاعر محتلفة ومتعارضة في بعض الأحيان وهي التي أكدتها حين قالت في قصيدتها الأولى
آيا حمائم الروح تمهلي !
دثريني بظلال أمل رابض
بين دفقات موج
قيثارته تعزف غيمات أرجوانية
لأتغلغل بين أثداء نفسي وشراشف جفني
آتوسد مروج الشوق
أبتكر للعمر محطات الضوء
تملأ آنية الليل الفارغة
إلا من قمر مدعوك
برعشات حيرة
تتناهشها جيوب الصمت
بين أخذ ورد
الشاعرة التي شكلت ضمائر المتكلم ، في دثريني ، واتغلغل ، وأتوسد ، وأبتكر ، تؤكد هويتها الشعرية والنفسية في نقاط ارتكاز محورية في بناء عملها الشعري وكبريائها أمام المحبوب كلما صاغت له العبارات من خلال محاولتها أن يخضع الحب لضوءها وشوقها دون أن تخضع هي للحب ، شاعرة تتصالح مع نفسها وتضع يدها على موضع الألم ، وذلك ان تصالحها مع نفسها علّمها كيف تخرج الآه وتنفث من روحها الألم ، عرّفها كيف تتحول الأشياء، وكيف يصبح القمر مدعوك برعشات الحيرة والقلق تتناهشها حمم الريح وجيوب الصمت
حلم يداعبني
ريح تشاكسني
وقلب يداهمني
ولي فيهما عين تراوغني
فأترجح في أراجيح الوجع
كل المراكب تخذلني
ومركبي حلم يرافقني
وحلم بالورد يداعبني
تطل علينا شاعرتنا رحيمة بلقاس ، كما لو كنا نراها بمرآة تعكس بصدق وشفافية كينونتها الشعرية تعبر من خلاله عن نفسها ، وعن أحاسيسها الدافئة ، وعن ذاتيتها في تجلياتها المتعددة وألوانها القاتمة ، ألوان مشحونة ظلالا مظلمة ورياحا مشاكسة ، ومراكب تعاند حلمها اليانع بالورود ، الذي يظل يداعب شغاف قلبها ، وهذا يعكس تجربة الشاعرة ومحيط بيئتها ، شعور مضمخ بعمق التجربة الحيّة وأحلامها ، كشاعرة لها كيانها الخاص ووجودها الخاص ، فصراع الذات المتشظية والمنكسرة في عالم تحاول أن تصوغ فلسفتها ورؤاها الخاصة ، هنا ذات الشاعرة المغتربة بنفسها والتي تتجلى من خلال الآخر.
في المحور الأول تواجه الأنا الشاعرة مع الآخر صراع فانتازي درامي وملحمي رصين ، مستمدة رؤيتها من تفاصيل الواقع، موظفة أدواتها الفنية والشعرية ، مانحة إيّاها مضامينها المعبرة .
عذرا يا أمواج الليل !
توشحت مئزر الأيام ، ومضيْتُ
مهرولة ، أسابق الأحلام
عذرا ! فموسيقى نيسان
تعزف لي أغنيات الياسمين
أوْصَدْتُ أبواب الخلف ،
وأشرعت الروح للمدى
إن إحالات الفانتازية البكائية ، أو حالة الهذيان التي تمر بها الشاعرة تأخذها الى حالات اللاوعي في طقوس الكتابة ، لتأتينا بكل ما هو مدهش ، وليست الفانتازيا للهو بالجراح ، أو الهروب من الواقع في عالم رحيمة بلقاس الشعري ، ولكنها سفينة النجاة ، حيث يجتمع الوعي باللاوعي والواقع الهش المتغير في رحلة صوفية لمست أغوارها وأشرعت روحها وتضاريسها للمدى على عجل
,, ما العمل الأدبي إلا لغة مشحونة بالفن والدلالة ,, كما يرى عزرا باوند فطبيعة شاعرتنا طبيعة مغامرة تعانق الإبداع وتحاول الاصطياد في المناطق الوعرة والعميقة ، ملتصقة بالارض والانسانية وزفير الأنفس المهتاجة ومعاناة تلك المرحلة السديمة بحق ، تصمد في وجه الأنواء وتعاقر بقلمها حاملة أمانة حلمها ، إن لغتها لغة المسير على درب الآلام تعيش في وجدانها القدس وبغداد ، وكمثقفة وشاعرة وإنسانة تحمل هموم أمتها المجبولة والمشتعلة بالآهات والحسرات والهموم ، فهي لا ترى نفسها كشاعرة وإنسانة بعيدة من أثام القدس ودمشق والرباط ، فتواصل جلد ذاتها المحملة بالواقع ، فتشتغل المخيلة الذهنية في وجدانها بمدلولها الوطني والقومي والإنساني ، والإحساسي ، فتحتوي الموقف بموهبة فذة، فهي تتعامل بمنطق الأمور ، وتخضعها للفحص والتدقيق وتتعمق فيها دون أن تجعل من نفسها بعيدة عن الهم القومي ،هذا المبدأ الذي رسمته رحيمة بلقاس لنفسها في إطار من التوازن والوقار، كان ذلك قاعدة مقدسة لا تقبل التغيير أو القسمة على أكثر من اختبار
هل تنتهي رحلتنا هنا؟
هي ذي خيمة عربية
وتلك سيدتها القريشية
شموخ مزهر بعراجين عربية
كيف لا وهي من داست الدروع القيصرية !
وبخيولها لاعبت الدمى الرومانية
وهناك بغداد العراقية
بين أحضانها الدفاتر الذهبية
تصحو سنابل الريح
في صرخة فراتها
والعجاج يصطك بين أضراس دجلتها
في قيامة عبور الصراط
إلى ضفافها النديّة
وهناك قدس وأقصى
أما عرج من أبراجهما سيد البشرية
فلماذا…؟
بين ذاك الدمع والدمع
ولماذا…؟
بين الماء والماء
تجمدت أمواجنا السنية ؟
خسئنا !
ففي صفر السكون تلاشينا !!
رحيمة بلقاس شاعرة وطنية وقومية أجادت نزف الحروف ، فهي ضمير الأمة وحارسة ثغورها ، فالشاعر أكثر الناس شعورا بمرارة الانهزامات والانكسارات ووخز الخسىء ، فالشاعر نقيض السياسي ، متعدد الوجوه اللامعة والحالات المتناقضة،رحيمة بلقاس التي تحمل في وجدانها وقلبها الوطن العربي الكبير الذي يسكنها وتسكنه ، أو السجن العربي الكبير ، تسلط هنا على جوانب الفجيعة التي تريد لها أن تنتهي وتكتوي بنارها أكثر من غيرها ، ينفتح الخطاب المقضى الرهان في بعده السياسي وانعكاساته الاجتماعية على نفس رحيمة وترتفع بالنص الإبداعي الى آفاق متسامية حيث سير الواقع العربي ، فذات الشاعرة هنا ذات قومية وكونية في التحليل الأخير ،فهي في كل أشعارها ونثرها حققت استجابات نفسية لواقع عملت على تحميله وتجميله أقصى الطاقات لتتألف معه من خلال طاقة اللغة بآلياتها وإجراءاتها الجمالية والفنية ، وعمق المضامين الثاوية في نصوصها الشعرية المنفتحة على التفسير والتأويل بأثرية الرمز المستحضر وحسن قرائه ، فتتقده من مضامينه لتضفي على الواقع التباساته الذكية
لأنك أنت أرثيك
لأنك أوزوريس
ولأني أيزيس
ألملم أشلاء المسرات
وأحلق طائرة أمنيات
من هنا نفهم رؤية بلقاس أن الشاعر معني بمراجعة ثورته الإبداعية من خلال الاطلاع على الموروث الحضاري والإنساني في عالم تتلاقح وتتماهى فيه الحضارات والثقافات لتوظيفها في تحقيق الرؤيا والعالم المتخيل ، تتكون عناصر القصيدة بوصفها أجزاء من كل . لذلك تحاول رحيمة إلغاء الفاصلة بين الايقاع الداخلي بين الصورة واللوحة . بين التشبيه والكتابة ، تصل إلى الرمز وتحاذيه ، تمسه وتعود إلى تداعياته ، نحن في هذه المجموعة أمام جملة شعرية مستديرة ، تنتهي حيث تبدأ لكنها تتقدم في داخلها ، أي في جدل عناصرها الداخلية وليس في جدل يقع خارجها ، لكنها، كجملة ، تقع في بعض اللحظات ضحية صخبها ، فتقع على صورة بالغة الغرابة تكسر الجدل وتجعله حادا . أو في المقابل تنحني في جمل غنائية بالغة الشفافية ، حتى وكأنها تصبح قابلة لنفي نفسها .
ماذا يريد الشعر ؟ حين تعلو الفجيعة وتمتزج بالبحر ، يصبح الشعر موجة ، تلتقط بلقاس هذه الموجة وتعيد صياغتها ، هنا تصبح الفجيعة إحساسا تاريخيا حادا ،تتلون بتداعيات اللغة، وتترك المكان فسيحا للحلم ، فيبني الشعر أسطورته الخاصة انطلاقا من رموزه الخاصة ، هكذا تتوحد اللحظة بمستقبلها، لقد استطاعت شاعرتنا المغربية رحيمة بلقاس في مجموعتها الأخيرة ، أن تشحن كلمة واحدة بالدلالات ، حتى أصبحت مرجعا ثابتا لفهم أبعاد القصيدة ، بوصفها تلخيصا لمأساة جماعية ، فهي حين تضع المفرد بلهجة المخاطبة المباشرة وغير المباشرة ، فإنها تذيبه بجماعية مستقرة خلف كلمة ,, توشحت مئزر ,, الأيام التي تلخص تجربة واقعية بنبرة مأساوية جديدة .
قوس قزح
قوس قزح … جوف اليم تكسر
ألوان من نجوم الضياء تثمر
عنقود الكروم بالبيدر
انتفخ .. اختمر .. أجهر
بفضل الجزار
أعلن فرحا
علها تمحو عنا اللون الأحمر
يسيل الصباح بالنور
تتغذى الشمس بالتغريد
وصوت الطير يصدح
أرواحنا عصافير
سمفونية الحرية تعزف
من خلف سرايا العلياء تجهر
إنها لن تنام
إلا بسلم وسلام ينشر
وثأر من سفاك يؤخذ
من بين الصخور سيل غشمر
يغلي الحمق المتجرجر
يهجس بالصراخ يغدمر
هذا النص والنفس الطويل الذي تتمتع به شاعرتنا في مجالي الشعر الذي يداعب الموزون والمقفى ، وقصيدة النثر لتصل إلى قدرة فنية عالية فللقاعدة اللغوية علاقة جمالية في المقام الأول لا مجرد أداة لتوصيل المعنى الجاهز والمحدود وإنما تسعى رحيمة بلقاس التشكيلية وتوسيع فضائها النثري الإيحائي والدلالي معا حيث نوع التصاعد بين زمن النص في طاقته الخارجية ، وفعل الكتابة بنزفها ورشحها الداخلي ضمن لغة دافئة وخيال خصيب وأنساق متناثرة تكشف عن مزاج شعري أصيل وارتبطت هنا قصيدة النثر التي تجيدها شاعرتنا في الاطار الحداثي بالكثير من المجاز والتكثيف أو التوهج ، وتعدد الدلالات وفي هذه القصيدة تتجلى رؤية الشاعرة ووعيها بالحياة والهم الوجودي معا حيث تعيش الشاعرة واقعها وتتمرد عليه تمردا عينيا يقوم على المونولوج الداخلي أو الحوار مع الذات ومع الآخر الجمعي مع توظيف السؤال باعتياد نتيجة سيمولوجية تعبر خيرة الذات وقلقها ، كما تدفع المتلقي للتفكير مع الشاعرة باعتبار أن السؤال هو بداية المعرفة وكنوع فني في الديوان يطرح أشكال التمرد على الواقع بين ( التوستانجيا ) أو الحنين إلى الماضي تارة ، باعتبار الماضي فصل من هذا الواقع الآتي، وتارة تحلق واقع موازي للحلم بالمستقبل يجعل الديوان يصل الى أسئلة الوجود التي تعكس رؤية الشاعرة تجاه الكون والحياة فالشعر لم يعد قائما على الزخرفة الشكلية عالم لم يتصدر بحداثة الوزن والقافية ، أو أن هناك قاموسا شعريا وأخر نثريا ولكن تتحقق شعريته بالتركيب والمجاورة، أي من خلال ممارسة المبدع التي تفضي فضاءاته إلى منتوج دلالي عبر اللعب باللغة واختراق نظامها المجازي والدلالي ، فيصبح الشعر نوعا من اللغة ، كما يؤكد ,, جون كوين ,, والشعرية تمثل ,, حدود الأسلوب لهذا النوع وهي تفترض وجود لغة الشعر ، وتبحث الخصائص التي تكونها باستخدام التفاعيل محاولة للخروج من الكلاسيكي والتقليدي المقيد باستخدام قوة المفردات من شعر التفعيلة النثري فمعظم الايقاعات الشعرية في هذه القصيدة على وزن فعول ، فمعظم قصائدها تمتاز بالطول ووحدة الفكرة ، وتكاد في معظمها تتطابق في الهدف نفسه ، وإن اختلف القالب أو المفجع والموجوع وراء كتابتها ، وقد تمكنت رحيمة من تطويع اللغة الفصيحة في هذه القصيدة المحبكة الى حد بعيد، أن ما يميز أشعار بلقاس الأسلوب المباشر البسيط الواضح بحيث تبتعد عن الاحاجي والغموض ، وقد استطاعت شاعرتنا أن ترسم عباراتها وكلماتها بالكفاءة التي تتمتع في حسياتها القدرية والمهنية ،فالمتعمق في قراءتها يجد حيثيات العمل والجهد ، كأنها نحلة تعمل على رفد خليتها بالشهد ، إنه ليس عملا للمتعة أو رحلة سندبادية في الفراغ.
إن التداول السيميائي بشبكة الدلالات في حركيتها المشعة يناسب تموجات وتدافع الايقاعات وينحني للتفعيلة المتحركة ، حركة مهيأه للانفجار في أي لحظة ، كما يبدو ذلك من طبيعة الانطلاقات الموسيقية التي يحظى بها الحراك الإيقاعي المتوج في فضاء القصيدة ، على النحو الذي ينتج شعرية غنائية لا تكتفي في تشييد نظامها الشعري بدلالة الايقاع فحسب ، بل بآلة الدلالة والمعنى والموضوع والقيمة والصورة والرمز والمجاز والرؤية والرؤيا في نسق شعري فضائي تحرسه التفعيلة وتحقق ايقاع موسيقي جميل داخل تشكيل لغوي أنيق بصور أخاذة ونابضة ، لكن الشعرية الغنائية في قصيدة ,, قوس قزح ,, ظلت فاعلة ومشتعلة ضمن مسار شعري متقارب ، ينهض على التفعيلة التي تقف على حواف القافية الموزونة دون أن تغرق فيها وتفجير امكانياتها الموسيقية الغنائية ، وتفعيل حضورها الموسيقى والايقاعي العفوي ، يتكسر ويتحد ، يعلو وينخفض في أجهر , وأحمر , فزمجر ….. الخ اذ ارتبطت كل الأسطر الشعرية برباط التفعيلة الشعرية على النحو الذي يتلائم مع حاسية الدفقة الشعورية وطبيعة موضوعها الوجداني داخل فضاء قوس قزح ، في لفظة شعرية متماسكة على الصعيد الدلالي والإيقاعي .
وتنفتح الجملة الشعرية البلقاسية على فضاء الصراع الشعري لتثبت ايقاعا شعريا غنائيا متموجا مهم في بناء شعري غنائي يقوم على درامية التموج الإيقاعي في حركة الأفعال المكونة للصور ، بحيث ينتهي جوهر الفعل الشعري لذات الشاعرة الجمعية الى تقنية إيقاعية جديدة وحديثة .
فشبكة الضمائر المقترنة بالذات الشاعرة هي تفصح عن حضورها المحتشد والمتراكم لتحقق ضغطا إيقاعيا لافتا .
وفي خضم هذه التشابكات الشعرية الإيقاعية والدلالية التي حفلت بها القصيدة ، تتشكل ما اصطلح على تسميته بالشعرية النثرية الغنائية التي يتضح فيها عنصر الغناء الشعري لتكون شعريتها الخالصة ، بكل ما هو متاح من مصادر تمويل شعري وإيقاعي ودلالي ورمزي تتفاعل فيما بينها بطريقة هندسية لا تخفى ولعها التشكيلي بالخطوط والألوان والإشارات بحثا عن رؤية شعرية ترتقى إلى مستوى الرؤيا

أطفال الرعاع
أقتفي رث الأصداء
جثث الرياء
تنوس بعقم الماء
هوانٌ يكتنف الدماء
مكر على مشنقة الفقر
يُوزَّع بسخاء
تبجُّج علا المنابر
لوحات ترسم الأقنعة
أصباغ شوهت معالم الكبرياء
أكبر من الشفقة
أكبر من توزيع الهبات
ورذاذ العظماء
ترتجف الأنا
يهتز هنا عرش الروح
من يشتري الموتى ؟
من يحنِّط أجساد الشقاء ؟
من يزْرعُ بها صلابة ؟
أصلب من قمم الشماء
وراء كل عمل إبداعي ثمة ضاغط يقف وراء ذلك العمل وهذا ما أسميه الموقف الإبداعي أو الموضوعي الذي يحدد هوية المبدع ، فالموقف الفكري الذي يقف وراء العمل الإبداعي، ويشكل صاحب الإبداع إهو الذي يحدد شاغل المبدع ومذهبه الأدبي ، وهذا الشاغل يبرز ويعلو . ويختفي ويتوارى ويختفي أحيانا داخل القصيدة الواحدة ، ويلوذ وراء الأذاة التعبيرية التي تنوب عن حضور القيم والصريح الخطابي، يلوذ بالكتابة ، ويلوذ بالصورة ويلوذ حتى بتقنية الاشتقاق وبغيرها ، ولكل شاعر مذهبه في ذلك ، وكلما تعالت لغة الإبداع ، ارتقى الخطاب الفني ، وعلى العكس ، كلّما تربعت المقولة الصريحة داخل النص ، تنحت أدوات التعبير وتراجع دور الفن والإبداع لصالح الخطابية والمكاشفة الفجة ، إلا بعد عن الشعر ، ويصبح الإبداع خاليا من نبضه ويشكل آنذاك مقارنة ساذجة مع البيان السياسي المكشوف ونكون أمام الشعر الخطابي المنبري ، وربما التعليمي ، ومجمل تجربة الشاعرة بلقاس دوما هناك موقفا فكريا ملتزما بقضية طبقية في بعدها الأقصى ، ووقفة اجتماعية ووطنية مفتوحة على أفق انساني في بعدها المنظور ، ولكن هذا الموقف يظل خارج النص ووراء دوافعه ومرتكزاته وفنيات بنائه .
فشاعرتنا جريرية تغرف من بحر وفرزدقية تنحت من صخر تحلق بحلم وحكمة المتنبي
فالأنا – ذات الشاعرة – وأنثى الوجع والاغتراب والعلاقة ما بين هذا الثالوث المقدس في المجموعة يظهر جليّا لنا وصف الحالة النفسية ،للشاعرة ، فكان لها نصيب الأسد فيها لدرجة بحيث يمكن القول أن الأنا والآخر حاضرة في مجموعتها من خلال ربطها بحالة الشاعرة ، وليست من خلال ملامحها الجسدية، وحضور من خلال حالتها النفسية والروحية المقهورة فالأنا ترتجف وتهتز عرش الروح لوجعها المسكونة بالوطن وبفقرائه .
غيظ يعج بالأعماق
خذلان وطعن
شلّ الأنفاس
الآه ترتعد
الصمت الضائع
اختنق الكلام
شهقات تمزق الأوداج
تغتال الحشرجة
تشيع ومضات
تشتعل بمجامر الانتظار
في مهب التيه
تذرو الريح الشتات
صراع الأنا هنا يواجه الآخر الظالم من يفجر الدمع في الأحداق والقلب ينزف شجنا بجست الجراح من سوط الطغاة والفجر ينتحب يصارع نباح ظلالهم والغيظ يعج في أعماق الشعب والشاعرة ويشل الأنفاس والآهات تتصاعد وترتعد والكلام مختنق في الصدر، في هذه المواجهة بين الأنا المحاصرة بالوجع وبين الآخر الذي ينتشي بسادية على أوتار الشجن للتائهين في الأرض . فالشاعرة تعبر بصدق وسخط على غلاة القاهرين وتتعاطف مع المقهورين وتحدد هوية انتمائها لطبقة الفقراء في نزف حروفها وصورها المفجعة الدامية بفنتازيا الوجع .
بلقاس : شاعرة ذات طاقة إبداعية غزيرة لها حضور متميز لما أبدعته من صور فنية معبرة عن المرحلة التي يمر بها وطنها الصغير ووطنها العربي الكبير ، فتعبر عنها بشفافية صادقة وجارحة تجلّت فيها همومها وإشكاليتها ، وكانت قصائدها تنهيدة عميقة من الآه استنطقت منظومة التداعيات والتراسلات لبلوغ الصدق النفسي والفني المطلوب وتآلقت شخصيتها العفوية والتلقائية الأصيلة التي استجمعت القوى الذهنية والانفعالية للذات ، وعلاقتها المنفردة بالعالم المحيط بها ، وهي ذو موهبة عالية وحساسية طاغية وحماسة لاهبة لقضايا وطنها وأمتها وتجلى ذلك في قصيدة ,, تمهلوا ,, وقصيدة ,, يا قدس ,,
فالوطن عند بلقاس نشيد موج يتأهب ينجب في كل صباح طحلبا يتضخم , ففي هذه القصيدة تظهر هوية شاعرتنا الوطنية والمستنيرة في مواجهة خفافيش الظلام والإرهاب ،والذين يزرعون الشوارع دما مسكوبا بجهلهم وعميهم وظلامهم وتصفهم بالأباليس الملعونة وتصرخ في وجه آلهة الكراسي وهم ينظرون إلى الأصابع المبتورة وهي تعلن عقم الأسئلة
تمهلوا !!
الوطن نشيد موج يتأهب
ينجب في كل صباح طحلبا
يتضخم
وتضيف وتعري هوية الظلمة وجهلهم
زهد العقل المُغَيَّب
تتسع سجادة تجهيل على الأعناق
سكينتها مشحدة الحدين
لا تترفق
وبالأيدي مسبحة بالزيف
تترنم
خلعت تيجان القدسية
لا تأليه لخلق

الإرهاب يومئ للوطن مقيتاً
ينعت نعتا منصوبا
أو مجرورا
يتغيّر
تُدوّي فرقعاته
طلقات
أويطلق حمما ونوويا
دون حدود
تبت أيدي الشر وتبّ
ما أغنى عنهم جهلهم
استتب
ونرجسيتهم حمالة الحطب
في جيدهم حبل من مسد
فملة الكفر واحدة من أبو لهب وأبو جهل إلى عتاة الإرهابيين الذين صبوا جام جهلهم وأحرقوا الأرض وما عليها من لهب ، هنا تناص مع القرآن الكريم نجحت شاعرتنا في توظيفه من خلال توظيف سورة ,, المسد , في فضائها الشعري لتفضح دعاة الدين المزيف الذين استخدموه للإرهاب والتضليل وحرق الأخضر واليايس
يا قدس!!
نرثيك يا قدس!
قد سبّح الليل بقسمات السراحين
كي تكبر الأنواء
تحت قميص الهوان
تدق طبول الجمر
هتفه في آذان الأقصى
وسوريا يُؤججها اللظى
عاجزة عن تطهير بردى
من شطحات الشيطان
تتأرجحين يا قدس !
بأراجيح الانتظار
بلا حدود
على ضفاف الأفق
عتمات تفضي بالأسرار
والأسرى داخل الأسوار
تلهج بالفتوح
حاملة مشعل الإصرار
ياقدس!
ما جدوى الرّثاء؟
السادة جَهدهم حراسة
الأمان لهم هم
والضمان لتاريخ الكراسي
والسلام
هوايتهم السير في جنازات الأزهار
واصطياد ومضات الأنوار
فلا حياة لها إلا في الظلال
كخفافيش الظلام
ما جدوى الرثاء
رحيمة بلقاس شاعرة مرهفة الإحساس ،تحاول العثور على وحدة العالم العربي وترى هذا العالم يبدأ من ذاتها ووطنها ، تكتب عن الإنسان المعذب في كل مكان وهي شديدة الالتحام وجدانيا وأدبيا وسياسيا وإنسانيا بالوطن العربي الكبير، صاحبة رسالة إنسانية نبيلة ، عبرت عن محن شعبها في فلسطين وسوريا والعراق أشد تعبير وكشفت زيف الطغاة سواء كانوا عربا أم صهاينة أم غربيين وعبرت عمّا تعانيه هذه الشعوب وتلك المقدسات من ظلم وبهتان وعرّت من يجلسون على الكراسي من ساسة القوم دون مبالاة بل يشاركون الجلاد الرقص على دماء الضحية ، عبرت بألم يتعمق في وجدانها ولوعة أسى ، فكرامة الإنسان ومقدساته وترابه وذاكرته وذكرياته هي المحاور الأساسية لمضمون أشعار رحيمة ، وإحساسها عميق وصادق وتستسثمر طاقاتها الإبداعية في اللغة التعبيرية ودلالاتها وترميزاتها ممهدة للغة شعرية حداثية متطورة ، فتترك على الروح والقلب أثار لا تمحى وعلى صفحة النص قلقا وسخطا يستحيل فهمه وتقدير حقيقة تشكله اللساني والإيقاعي والدلالي من دون الدخول في قلب الإطار الذي تتحرك فيه الرؤيا في هذا النص ، وتتواصل مع التاريخ وتنحو في بنائها اللغوي منحى اللوحة التشكيلية في خطوطها وألوانها وتميل إلى تأكيد الصورة الكنائية ذات الطبيعة النثرية المثقلة بالهموم والمواجع ، فواقع الأمة الممزق الذي ترصده الشاعرة يبعث على الأسى والخزي والتفجر والقهر ، لكنه في نفس الوقت يخز في جسد الأمة وخزات مؤلمة لتستيقظ من سباتها وتقف على قدميها قبل أن يطالها الفناء وتدخل في نفق الانقراض والانطماس ، فالواقع المأساوي الدموي للقدس ودمشق الذي يدمي قلب الشاعرة وعينيها ووجدانها يكتب بحر الشهداء ودمائهم ليزهر في المستقبل زهرا ووردا
فالشاعرة تنطلق من حلم عربي يراود أبناء الأمة جمعاء ، فالوطن العربي جسد واحد وروح واحدة والواقع واحد والعشق واحد إنه الوطن الواحد والمصير الواحد
فقصيدة القدس تعزف على وتر الرجاء والرثاء لهذه المدينة المقدسة المعلقة بمعراج السماء وتظللها سدرة المنتهى ومحشر الأنبياء والرسل والتي ترمز إلى رثاء فلسطين بأكملها فهي درتها وزهرة المدائن العربيّة
رومانسيات
أكانت صدفة لمّا التقينا !!
بحّةُ النّاي بصوتي
ما تكاسلت عن هواك
عنادل الحياة
ما سئمت الإقامة بالحمى
توهجت قناديل الأعماق
رقصت أراجيح غصون الأحداق
ترنمت كهزاز
حين التقينا
على شط البحر
بطهر
تعارفنا
تكلمنا !!
حين تهامسنا
قالت أعيننا ما شاءت
وما شئنا !!
كقلوب مع الشآن
تروي عنا
حين رسونا
على موانىء الحب !
ما كانت صدفة !!
ولا كان ذاك النّسيم
منّا لعبة!!

أعادني لما مضى
توأمان أنا وأنت
على نبض القدر كنتُ وكنتَ
أسلمتني همسا ونبضا
وأسلمتك روحا وقلبا
اعتذر منك
لأنني سكنتُ قصرك غصبا
اعتذر منك
لأنني غدوت لك قصرا
تاج العرش لبسته زهرا
على كرسي المهج
تربعت نجما
أشرقت الشمس غربا
وأشرقتُ منها شرقا
المنهج المغاربي الذي أنتجته المدرسة البلقاسية ، مذهب شعري يشتغل على الآليات والتقنيات بحرفية النّهر المتدفقة ، تظهر جدّيته المنتجة والفاعلة والمؤثرة في هذا السياق فتتسم جديته بالرصانة حتى في رومنسياتها وغزلياتها ، التي تشتغل على تجربة الروح وخبرة الحياة بميادينها الملتهبة ، إن شعر رحيمة بلقاس المأخوذ ببحر اللفظة وسحر الصور والشكل ، ساهم في إدعائم الهوّة بين التجربة الرّوحية المستلبة وبين النص الشعري المكتوب بمعزل عنها.
فهي تجربة في المستوى الثقافي والحرفي نفسه حرفة عميقة وزاخرة ومتفتحة ودينامية بالاسرار الغائرة في جوف الشعر وباطنيته وبئره العميق ، فهي تكتب شعرا حيّا نابضا بوهج الحياة , وحميما بحرارة التجربة ، ومزدهرا بالدفء الشفيف ، ومليئا بالماء والحب من دون أن تتخلى بطبيعة الحال عن معانيه وكثافة الخبرة المهارية في شحذ الباب الصنعة الشعرية بأدواتها البالغة الكفاءة وتشعلها بأعلى طاقة انتاجية ممكنة ، لكن بطريقة هادئة وفريدة وعالية التأمل والوجد ، فتبدو وكأنها عفوية عبر تحقيق دمج تشكيلي أخاذ وحيوي بين البراءة العشقية والشعرية في أعلى درجات توهجها وانفعالها وصفائها وبياضها وأصالتها وثنائية التفاني المتقن والمتفنن في أبرع درجات حرفية واندهاشات نظمية وصيغ هندسية في عمارتها الشعرية ، وتتابع رحيمة بلقاس خط فضاءها الشعري ، برسم لغتها الشعرية من داخل عناصر الواقع الأكثر بساطة وشفافية،إن قصائدها مليئة بالاحتمالات والجدل ، كحركة الواقع _ لا تكررها _ بل تنتقي عناصرها شفافة كمياه النهر الهادئة، تتخيل للوهلة الأولى أنّها ساكنة ، لكنها تكتشف بعد حين عمق الماء وعمق الحب وعمق المعنى والدلالة والذي تعيد في حركته صياغة ما تحاول كشفه ، شاعرة متميزة الصوت . فريدة الأسلوب دائرة تتسع يوما بعد آخر من الشعراء المغاربة ، وهي تمتلك قدرة هائلة في فضاء الشعر الحالم ، ومنذ أول قصيدة إلى آخر قصيدة في الديوان تفاجئك رحيمة بما لم تكن تتوقعه وتجعلك تقتنع أنها شاعرة موهوبة مختلفة تماما عن غيرها ومأخوذة بالجديد واستخدام المخيلة
وما يحسب للشاعرة المغربية قدرتها على رفد القارىء بهذه الوجدانيات الناعمة من شوق ولوعة ووجع وعتاب وحزن وفرح ، كسجادة مخملية ، تهمسنا كلماتها نبضا وروحا وتزرع من أضلعها سنابل حياة ، فقبلتها فرح وفراشات للروح يتوضاء الصبح من وجنتيها ويبتهج الكون رقصا من عطر روحها ، إنها وشم بماء البتر خالصة الأصل على الأسوار ، لم يراودها يوما الأفول ولم تتكاسل يوما عن هوى الحبيب ولم تسئم يوما عن هواه والاقامة في في جواره تترنم وتتمرجح في الحب ،يمامة وحمام على شجرات الدفلى بطهر الحبيب حين تعرفت عليه وحين تكلمت العيون وقالت ما شاءت.
شاعرة مسكونة بهموم الوطن وملتزمة بقضايا أمتها إلى حد الصلاة والجنون حبها الصوفي للقدس هو وترا مشدودا كده الإحساس المسنن على شفرة الوجع والالتزام الصارم والصادق .
فالقارىء لأشعارها يلمس روحها تحوم على كل نبض من حروفها الملائكية التي تتدفق في ثنايا شعرها ، ولا يسعني هنا إلا أن أرفع كوفيتي وأنحني ككنعاني فلسطيني لروحها المبتلة بعشق فلسطين ، دمت أيقونة للشعر والإبداع والكلمة الحرة الصادقة
الكاتب والاديب الناقد
Ahmad Dahboor

 

1111


info heading

info content